عبد الملك الثعالبي النيسابوري
15
الإعجاز والإيجاز
الباب الأول في بعض ما نطق به القرآن من الكلام الموجز المعجز من أراد أن يعرف جوامع الكلم « 1 » ، ويتنبّه على فضل الإعجاز والاختصار ، ويحيط ببلاغة الإيماء « 2 » ، ويفطن لكفاية الإيجاز ، فليتدبر القرآن ، وليتأمل علوّه على سائر الكلام : ( 1 ) فمن ذلك قوله - عزّ ذكره - : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصلت : 30 ] « استقاموا » كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلّها في الائتمار « 3 » والانزجار . وذلك لو أن إنسانا أطاع اللّه - سبحانه - مائة سنة ، ثم سرق حبة واحدة ، لخرج بسرقتها عن حد الاستقامة ! ( 2 ) ومن ذلك قوله - عز وجل - لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس : 62 ] ، فقد أدرج فيه ذكر إقبال كل محبوب عليهم ، وزوال كل مكروه عنهم . ولا شيء أضرّ بالإنسان من الحزن والخوف ، لأن « الحزن » يتولّد من مكروه ماض أو حاضر ، و « الخوف » يتولد من مكروه مستقبل ، فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه ، بل يتبرّم بحياته . والحزن والخوف ، أقوى أسباب مرض النفس ، كما أن السّرور والأمن أقوى أسباب صحتها ! فالحزن والخوف موضوعان بإزاء كل محنة وبليّة !
--> ( 1 ) جوامع الكلم : ما كان منها قليل الألفاظ كثير المعاني ؛ إنها كلمات معدودة تجمع معاني كثيرة . ويقال : حمدت اللّه تعالى بمجامع الحمد ، أي بكلمات جمعت أنواع الحمد والثناء . ( 2 ) الإيماء : الإشارة . ( 3 ) الامتثال والاستجابة للأمر .